ابن عربي

42

رسالتان في سر الحروف ومعانيها

والحرف الخامس الذي هو أحق بأن يلي الراء في التفهيم ، يحتاج إلى تمهيد ، وهو أن اللّه تعالى جعل ما أبطن من التنزيل وأظهر من التطوير بتسبيب واقتضاء ، فأظهر الأوائل ابداعا ، وأظهر ما دونها تسبيبا ، فبين كل حدين من حدود الراء تسبيب يصير فيه الأعلى سببا للأدنى ، والأدنى مسببا عن الأعلى ، وهي سلسلة الحكمة ومعارج الترقي وإدراك التردى ، وكلها من حكمة اللّه عن سبب موجب ومسبب يوقف اللّه سبحانه عندها من أجهله ويخيرها من أعلمه ، وذلك الحرف هو : * الباء : ومعناه أنه السبب الموصل لما إليه الحاجة ، فإن كان مع إعلام فهو باسم اللّه ، وإن كان مع إجهال فهو بما دونه ، وما كان باسمه فهو إيمان ، وما كان بما دونه فهو كفران : " من قال مطرنا بفضل اللّه ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " « 1 » . ولما فيه من هذا التسبيب والحجاب والبعد لم ينزل في أوائل سور الحروف ، ولما يتضمن معناها من الحجاب والبعد ينبسط فيها القول ويتأكد فيها الاعتبار لتتخلص الأنفس من تشبثها بشبكة شركها وتسبيبها . والباء هي الباء كله بعدا وحجابا ، ولذلك قال ابن عباس : " أخذ بيدي علي عليه السلام ليلة ، فخرج بي إلى

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في باب الاستسقاء عن زيد بن خالد الجهني ، [ باب 15 ، 77 ] .